المنظومة التكاملية لعلوم القرآن الكريم
الجزء السابع
القراءات والقراء
القراءات: جمع قراءة، مصدر قرأ، والقراءة في الاصطلاح: مذهب يذهب إليه إمام من الأئمة مخالفاً به غيره في النطق بالقرآن الكريم، مع اتفاق الروايات عنه. والقراءات اختلاف في اللهجات، وكيفية النطق، وطرق الأداء فقط، من إدغام وإظهار، وتفخيم وترقيق، وإمالة وإشباع، ومد وقصر، وتشديد وتخفيف وتليين وغير ذلك. نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فأقرأها الرسول صحابته ومن ثم أخذوا يقرؤون الناس عليها.

وقد وضع العلماء ضوابط للقراءة الصحيحة تتمثل بالآتي:

1. كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديراً
2. ووافقت أحد أوجه اللغة العربية
3. وصح إسنادها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها سواء كانت واردة عن القراء السبعة ـ أو غيرهم.
وكل قراءة اختل منها ركن من هذه الأركان الثلاثة، فهي شاذة ولو كانت لأحد القراء السبعة ولا تصح القراءة بها.

القراء السبعة الذين اشتهروا في الآفاق هم: ( أبو عمرو، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عمرو، وابن كثير ).

فوائد الاختلاف في القراءات الصحيحة

لاختلاف القراءات الصحيحة فوائد منها:

1. التيسير والتسهيل على الأمة، فإن الأمة العربية كانت قبائل وشعوبا ً مختلفة في اللهجات وطريقة الأداء، فلو أمرت كلها بقراءة واحدة لشق ذلك على غير الناطقين بتلك اللهجة.
2. الدلالة على صيانة كتاب الله وحفظه من التبديل والتحريف مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة
3. إعجاز القرآن في إيجازه، حيث تدل كل قراءة على حكم شرعي دون تكرر اللفظ كقراءة: ( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) سورة المائدة: آية 6 بالنصب والخفض في ( أرجلكم ) ففي قراءة النصب بيان لحكم غسل الرجل، حيث يكون العطف على معمول فعل الغسل: ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) وقراءة الجر بيان لحكم المسح على الخفين عند وجود ما يقتضيه، حيث يكون العطف على معمول فعل المسح: ( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ) فنستفيد الحكمين من غير تطويل، وهذا من معاني الإعجاز في الإيجاز بالقرآن.

الأحرف السبعة غير القراءات

إن حديث الرسول – صلى الله وسلم - ( إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ) والذي رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يدل على التوسعة والتيسير، وحرف ( على ) في الحديث يدل على هذه التوسعة، أي أنزل القرآن موسعاً فيه على القارئ، بحيث يجوز له أن يقرأه على أي حرف من الأحرف السبعة.
وهذا لا يعني أن كل كلمة من كلمات القرآن، تقرأ على سبعة أوجه وأحرف، ولو كان هذا مراداً لقال: ( أنزل هذا القرآن سبعة أحرف ) إنما يعني أن وجوه الاختلاف لا تتجاوز سبعة أوجه.
والعدد سبعة في الحديث مراد لذاته، فهو حصر حقيقي ولم يرد به التكثير، وهذا يعني أن وجوه الاختلاف والتغاير لا تزيد على سبعة أوجه، مهما تعددت وتنوعت القراءات في الكلمة الواحدة.
قال ابن تيمية –رحمه الله-: لا نزاع بين العلماء المعتبرين، أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القراء السبعة المشهورة.

أ- التعريف:
لغة: الحرف في أصل كلام العرب معناه الطرف والجانب، وحرف السفينة والجبل جانبهما.
واصطلاحاً: الأحرف السبعة: سبعة أوجه فصيحة من اللغات والقراءات أنزل عليها القرآن الكريم.

ب- بيان الأحرف السبعة في الحديث النبوي:

لما كان سبيل معرفة هذا الموضوع هو النقل الثابت الصحيح عن الذي لا ينطق عن الهوى، نقدم ما يوضح المراد من الأحرف السبعة:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكِدت أساوِره في الصلاة ، فتصَّبرت حتى سلّم ، فلَبَّبْتُهُ بردائه، فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ، قال: أقرأنِيْها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: كذبت، أقرانيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقرئها، فقال: " أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذلك أنزلت " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اقرأ يا عمر "، فقرأت التي أقرأني. فقال:"كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه ".
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف ".

جـ - الأحرف السبعة والقراءات السبع:

دلتنا النصوص على أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات نزل بها القرآن، ونود أن ننبه بأن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع المشهورة، التي يظن كثير من عامة الناس أنها الأحرف السبعة. وهو خطأ عظيم ناشىء عن الخلط وعدم التمييز بين الأحرف السبعة والقراءات. وهذه القراءات السبع إنما عرفت واشتهرت في القرن الرابع، على يد الإمام المقرىء ابن مجاهد الذي اجتهد في تأليف كتاب يجمع فيه قراءات بعض الأئمة المبرزين في القراءة، فاتفق له أن جاءت هذه القراءات سبعة موافقة لعدد الأحرف، فلو كانت الأحرف السبعة هي القراءات السبع، لكان معنى ذلك أن يكون فهم أحاديث الأحرف السبعة، بل العمل بها أيضاً متوقفاً حتى يأتي ابن مجاهد ويخرجها للناس …
وقد كثر تنبيه العلماء في مختلف العصور على التفريق بين القراءات السبع والأحرف السبعة، والتحذير من الخلط بينهما.

د- حقيقة الأحرف السبعة:

ذهب بعض العلماء إلى استخراج الأحرف السبعة بإستقراء أوجه الخلاف الواردة في قراءات القرآن كلها صحيحها وسقيمها، ثم تصنيف هذه الأوجه إلى سبعة أصناف، بينما عمد آخرون إلى التماس الأحرف السبعة في لغات العرب ، فَتَكوّن بذلك مذهبان رئيسيان، نذكر نموذجاً عن كل منهما فيما يلي:

المذهب الأول: مذهب استقراء أوجه الخلاف في لغات العرب، وفي القراءات كلها ثم تصنيفها، وقد تعرض هذا المذهب للتنقيح على يد أنصاره الذين تتابعوا عليه، ونكتفي بأهم تنقيح وتصنيف لها فيما نرى، وهو تصنيف الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الرازي، حيث قال: … إن كل حرف من الأحرف السبعة المنزلة جنس ذو نوع من الاختلاف.
أحدها: اختلاف أوزان الأسماء من الواحدة،والتثنية، والجموع، والتذكير، والمبالغة. ومن أمثلته: { وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [المؤمنون: 8]، وقرئ. { لأَمَانَاتِهِمْ } بالإفراد.
ثانيها: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه، نحو الماضي والمستقبل، والأمر ، وأن يسند إلى المذكر والمؤنث، والمتكلم والمخاطب، والفاعل، والمفعول به. ومن أمثلته: { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } [سبأ: 19] بصيغة الدعاء، وقرئ: { رَبَّنَا بَاعَدَ } فعلا ماضيا.
ثالثها: وجوه الإعراب. ومن أمثلته: { وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ } [البقرة: 282] قرئ بفتح الراء وضمها. وقوله { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } [البروج: 15] برفع { الْمَجِيدُ } وجره.
رابعها: الزيارة والنقص، مثل: { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى } [الليل: 3] قرىء { الذَّكَرَ وَالأُنْثَى }.
خامسها: التقديم والتأخير، مثل،{ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } [التوبة: 111] وقرئ: { فَيُقْتَلونَ ويَقْتُلُون } ومثل: { وجاءت سكرة الموت بالحق }، قرئ: {وجاءت سكرة الحق بالموت}.
سادسها: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، أو حرف بآخر، مثل: { وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } [ البقرة: 259] بالزاي، وقرئ: { ننشرها } بالراء.
سابعها: اختلاف اللغات: مثل { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } [النازعات: 15] بالفتح و الإمالة في: { أتى } و { موسى } وغير ذلك من ترقيق وتفخيم وإدغام…
فهذا التأويل مما جمع شواذ القراءات ومشاهيرها ومناسيخها على موافقة الرسم ومخالفته، وكذلك سائر الكلام لا ينفك اختلافه من هذه الأجناس السبعة المتنوعة.

المذهب الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة لغات من لغات قبائل العرب الفصيحة.
وذلك لأن المعنى الأصلي للحرف هو اللغة ، فأنزل القرآن على سبع لغات مراعيا ما بينها من الفوارق التي لم يألفها بعض العرب،فأنزل الله القرآن بما يألف ويعرف هؤلاء وهؤلاء من أصحاب اللغات، حتى نزل في القرآن من القراءات ما يسهل على جلّ العرب إن لم يكن كلهم، وبذلك كان القرآن نازلا بلسان قريش والعرب.
فهذان المذهبان أقوى ما قيل، وأرجح ما قيل في بيان المراد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم. غير أنا نرى أن المذهب الثاني أرجح وأقوى.

القراءات السبع:

أ-تعريف القراءة: لغة مصدر لـ: قرأ. واصطلاحا: مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء، مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها. هذا التعريف يعرف القراءة من حيث نسبتها للأمام المقرئ كما ذكرنا من قبل، أما الأصل في القراءات فهو النقل بالإسناد المتواتر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والمقرئ: هو العالم بالقراءات ، التي رواها مشافهة بالتلقي عن أهلها إلى أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم.

ب-ضابط القراءة المقبولة:

لقد ضبط علماء القراءات القراءة المقبولة بقاعدة مشهورة متفق عليها بينهم ، وهي:
كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت رسم أحد المصاحف ولو احتمالا، وتواتر سندها، فهي القراءة الصحيحة. ويتبين من هذا الضابط ثلاثة شروط هي:

الشرط الأول، موافقة العربية ولو بوجه: ومعنى هذا الشرط أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه النحو، ولو كان مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، فلا يصح مثلا الاعتراض على قراءة حمزة. { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ } [النساء: 1] بجر الأرحام.

الشرط الثاني، موافقة خط أحد المصاحف ولو احتمالا: وذلك أن النطق بالكلمة قد يوافق رسم المصحف تحقيقا إذا كان مطابقاً للمكتوب، وقد يوافقه احتمالاً أو تقديراً باعتبار ما عرفنا أن رسم المصحف له أصول خاصة تسمح بقراءته على أكثر من وجه. ومثال ذلك: { ملك يوم الدين } رسمت {ملك} بدون ألف في جميع المصاحف، فمن قرأ: (ملك يوم الدين) بدون ألف فهو موافق للرسم تحقيقياً، ومن قرأ: { مالك } فهو موافق تقديراً، لحذف هذه الألف من الخط اختصاراً .

الشرط الثالث، تواتر السند: وهو أن تعلم القراءة من جهة راويها ومن جهة غيره ممن يبلغ عددهم التواتر في كل طبقة.

جـ- أنواع القراءات حسب أسانيدها : لقد قسم علماء القراءة القراءات بحسب أسانيدها إلى ستة أقسام:

1. الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند، وهذا النوع يشمل القراءات العشر المتواترات (التي سنعددها في المبحث التالي).

2. الثاني: المشهور: وهو ما صح سنده ولم يخالف الرسم ولا اللغة واشتهر عند القراء: فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، وهذا لا تصح القراءة به، ولا يجوز رده، ولا يحل إنكاره.

3. الثالث: الآحاد: وهو ما صح سنده وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، وهذا لا يجوز القراءة. مثل ما روى على (( رفارف حضر وعباقري حسان))، والصواب الذي عليه القراءة: { رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: 76].

4. الرابع: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده ولو وافق رسم المصحف والعربية، مثل قراءة : ((مَلَكَ يومَ الدين ))، بصيغة الماضي في ((ملك )) ونصب (( يوم )) مفعولاً.

5. الخامس: الموضوع: وهو المختلق المكذوب.

6. السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث، وهو ما زيد في القراءة على وجه التفسير.

وهذه الأنواع الأربعة الأخيرة لا تحل القراءة بها، ويعاقب من قرأ بها على جهة التعبير.

د- القراءات المتواترة وقُرّاؤها:

من الضروري والطبيعي أن يشتهر في كل عصر جماعة من القراء، في كل طبقة من طبقات الأمة، يتفقون في حفظ القرآن، وإتقان ضبط أدائه والتفرغ لتعليمه، من عصر الصحابة، ثم التابعين، وأتباعهم وهكذا. ولقد تجرد قوم للقراءة والأخذ، واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية حتى صاروا في ذلك أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم، ويؤخذ عنهم.
فكان بالمدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثم شيبة بن نصاح، ثم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم.
وكان بمكة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، ومحمد بن مُحَيْص. وكان بالكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النَّجود الأسدي، وسليمان الأعمش، ثم حمزة بن حبيب، ثم الكِسائي أبو علي بن حمزة.
وكان بالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء، ثم عاصم الجحدري،ثم يعقوب الحضرمي.
وكان بالشام: عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي، وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، ثم يحيى بن الحارث الذماري، ثم شريح بن زيد الحضرمي.
ثم جاء الإمام أحمد بن موسى بن العباس المشهور بابن مجاهد المتوفى سنة ( 324هـ ) فأفرد القراءات السبع المعروفة، فدونها في كتابه: " القراءات السبعة" فاحتلت مكانتها في التدوين، وأصبح علمها مفرداً يقصدها طلاب القراءات.
وقد بنى اختياره هذا على شروط عالية جداً، فلم يأخذ إلا عن الإمام الذي اشتهر بالضبط والأمانة، وطول العمر في ملازمة الإقراء، مع الاتفاق على الأخذ منه، والتلقي عنه ،
فكان له من ذلك قراءات هؤلاء السبعة، وهم:

1. عبد الله بن كثير الداري المكي، (45-120 هـ).
2. عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي (8-18 هـ).
3. عاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي، المتوفى سنة (127هـ).
4. أبو عمرو بن العلاء البصري، (70-154 هـ).
5. حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، (8-156 هـ).
6. نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، المتوفى سنة (169هـ).
7. أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي، المتوفى سنة (189هـ).

وقد علمت من مسرد أئمة الأمصار الإسلامية القراء أن القراءات أكثر من ذلك بكثير، لكن ابن مجاهد جمع هذه السبع لشروطه التي راعاها . وقد تابع العلماء البحث لتحديد القراءات المتواترة، حتى استقر الاعتماد العلمي، واشتهر على زيادة ثلاث قراءات أخرى ، أضيفت إلى السبع، فأصبح مجموع المتواتر من القراءات عشر قراءات ، وهذه القراءات الثلاث هي قراءات هؤلاء الأئمة:

8. أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، المتوفى سنة (130هـ).
9. يعقوب بن اسحاق الحضرمي الكوفي، المتوفى سنة (205هـ).
10. خلف بن هشام، المتوفى سنة (229 هـ).

هـ - أهمية الأحرف السبعة والقراءات :

إن الأحرف السبعة والقراءات ظاهرة هامة جاء بها القرآن الكريم من نواح لغوية وعلمية متعددة، نوجز طائفة منها فيما يلي:

1- زيادة فوائد جديدة في تنزيل القرآن: ذلك أن تعدد التلاوة من قراءة إلى أخرى، ومن حرف لآخر قد تفيد معنى جديداً، مع الإيجاز بكون الآية واحدة. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في آية الوضوء: { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } [المائدة: 6]، قرىء: {وأرجِلَكم} بالنصب عطفاً على المغسولات السابقة، فأفاد وجوب غسل القدمين في الوضوء، وقرىء بالجر، فقيل: هو جر على المجاورة، وقيل: هو بالجر لإفادة المسح على الخفين، وهو قول جيد.

2- إظهار فضيلة الأمة الإسلامية وقرآنها:
وذلك أن كل كتاب تقدم كتابنا نزوله، فإنما نزل بلسان واحد، وأنزل كتابنا بألسن سبعة بأيها قرأ القارىء كان تالياً لما أنزله الله تعالى.

3- الإعجاز وإثبات الوحي:

فالقرآن الكريم كتاب هداية يحمل دعوتها إلى العالم، وهو كتاب إعجاز يتحدى ببيانه هذا العالم ، فبرهن بمعجزة بيانه عن حقية دعوته، ونزول القرآن بهذه الأحرف والقراءات تأكيد لهذا الإعجاز، والبرهان على أنه وحي السماء لهداية أهل الأرض من أوجه هذه الدلالة:
إن هذه الأحرف والقراءات العديدة يؤيد بعضها بعضاً من غير تناقض في المعاني والدلائل، ولا تناف في الأحكام والأوامر، فلا يخفى ما في إنزال القرآن على سبعة أحرف من عظيم البرهان وواضح الدلالة.
إن نظم القرآن المعجز، والبالغ من الدقة غايتها في اختيار مفرداته وتتابع سردها، وجملة وإحكام ترابطها، وتناغمه الموسيقي المعبر يجري عليه كل ما عرفنا من الأوجه السابقة في الأحرف والقراءات ثم يبقى حيث هو في سماء الإعجاز، لا يعتل بأفواه قارئيه، ولا يختل بآذان سامعيه، منزها أن يطرأ على كلامه الضعف أو الركاكة، أو أن يعرض له خلل أو نشاز. 
 
 
 
المنظومة التكاملية لعلوم القرآن الكريم

الجزء الثامن
الناسخ والمنسوخ

أهمية العلم به: العلم بالنسخ ضروري لفهم القرآن الكريم، ومعرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن أمر لا بد منه لحسن تفسيره ومعرفة أحكامه، وعدم الخطأ فيها، فقد يتبنى البعض حكماً استخرجه من آية، وهو لا يعلم أن هذا الحكم منسوخ. قال عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – على رجل يتحدث عن تفسير القرآن في المسجد، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ فقال:لا. قال: أنت أبو من ؟ قال: لقد هلكت وأهلكت، لا تقص في مسجدنا.

1- لغة: الرفع والإزالة والتبديل. يقال: نسخت الشمس الظّل، أي أزالته. ويأتي بمعنى التبديل والتحويل، يشهد له قوله تعالى: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ } [النحل: 101].

2- اصطلاحاً:المنسوخ بدليل شرعي متأخر عنه، أي رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. فالحكم المرفوع يسمى: المنسوخ، والدليل الرافع يسمى: الناسخ، ويسمى الرفع: النسخ. أي أن الله يرفع الحكم الشرعي، الذي تقرره آية من كتاب الله، ويزيله ويلغيه، وقد يكون هذا بعوض وبدل، وقد لا يكون له عوض وبدل، ويحل محله حكماً شرعياً آخر.والحكم المرفوع يسمى المنسوخ، والحكم البديل يسمى الناسخ. والذي يرفع الأحكام وينسخها هو الله، والمراد بقولهم ( رفع حكم شرعي ) الحكم المنسوخ، والمراد بقولهم ( بدليل شرعي ) الحكم الناسخ. فعملية النسخ على هذا تقضي منسوخاً وهو الحكم الذي كان مقرراً سابقاً، وتقتضي ناسخاً، وهو الدليل اللاحق.

والدليل على وقوع النسخ في القرآن موجود في القرآن نفسه، فمن الآيات التي تشير إلى وقوع النسخ في القرآن قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها، نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } سورة البقرة: آية 106. وهذه الآية صريحة في النسخ، تقرر أن الله إذا نسخ آية ورفع حكمها، أو نسأها وأخرها، وأبقى حكمها، فإنه يأتي بحكم خير من الحكم المنسوخ، ويكون خيراً للعباد في التعبد، سواء كان أخف من المنسوخ، أو أثقل منه، أو مساوياً له، أو يأتي الله بحكم مثل الحكم الأول. ونلاحظ أن الأفعال الثلاثة في الآية مسندة إلى الله: ( ننسخ، ننسها، نأت ) أي أن الله هو الذي ينسخ ما شاء من أحكام آياته، ويبقي ما شاء منها، وإذا نسخ بعضها، فهو الذي يأتي بالدليل الناسخ.

شروط النسخ
وضع العلماء شروطا ً لا بد منها لتحقيق النسخ في القرآن من أهمها:

1- أن يكون المنسوخ حكماً شرعياً ثابتاً بالقرآن أو بالسنة.

2- أن يكون الناسخ دليلاً شرعياً، ثابتاً بالقرآن الكريم.

3- أن يكون الناسخ متراخياً عن المنسوخ.

4- أن يكون بين النصين القرآنيين – المنسوخ والناسخ – تعارض حقيقي بحيث لا يمكن الجمع بينهما، في أي صورة من صور الجمع والتوفيق، كالعموم والخصوص.

5- أن يكون المنسوخ مطلقاً غير متعلق بوقت معلوم، فإذا كان في الآية ما يدل على توقيتها، لا يعد انتهاء وقتها نسخاً. فقوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } سورة البقرة: آية 109. ليس منسوخاً بآيات القتال، لأنه محدد بوقت معين، فالعفو والصفح مستمران إلى أن يأتي الله بأمره، وهو الأمر بالقتال، وعندما أمر الله بالقتال انتهى الأمر بالعفو والصفح.

6- أن لا يكون المنسوخ خبراً، لأنه لا نسخ في الأخبار.

ولقد رفض الإمام السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن مبالغة البعض في القول بالنسخ والإكثار منه، وعدّ معظم الآيات التي قيل بنسخها أنها محكمة، ولم يثبت عنده النسخ إلا في عشرين آية فقط، على خلاف في نسخ بعضها، ولا يصح دعوى النسخ في غيرها. وقد يكون المنسوخ في القرآن، وقد يكون في السنة، وقد يكون الناسخ في القرآن، وقد يكون في السنة. والنسخ الوحيد الذي ثبت في القرآن، هو نسخ الحكم، أي أن الله ينسخ أحكام بعض الآيات بآيات أخرى لاحقة، ويبقي ألفاظ الآيات المنسوخة أحكامها في القرآن، يتلوها المؤمنون، ويتدبرونها، ويتذوقون معانيها.

الحكمة من النسخ

الله عليم حكيم، والحكمة تبدو في كل أفعاله وأحكامه سبحانه وتعالى، والحكمة تعني الصحة والصواب والمصلحة. فالله لا يشرع تشريعاً إلا بمقتضى حكمته، وإلا لمصلحة الأمة، ولهذا كان النسخ في أحكام الشريعة مظهراً من مظاهر حكمة الله، وكان لتحقيق المصلحة للعباد، وتقديم الخير لهم. ومن حكمة النسخ التيسير على المسلمين والمؤمنين ورفع الحرج عنهم، وابتلائهم واختبارهم لإظهار فضلهم، وتربية الأمة بالتدرج في التشريع، كالتدرج في تحريم الخمر.

ولعلنا نضع النقاط التالية كملخص لحكمة النسخ:

1- يحتل النسخ مكانة هامة في تاريخ الأديان، حيث أن النسخ هو السبيل لنقل الإنسان إلى الحالة الأكمل عبر ما يعرف بالتدرج في التشريع، وقد كان الخاتم لكل الشرائع السابقة والمتمم له ما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا التشريع بلغت الإنسانية الغاية في كمال التشريع. وتفصيل هذا: أن النوع الإنساني تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دوراً غيره، فالبشر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة، وبساطة، وضعفاً، وجهالة، ثم اخذوا يتحولون من هذا العهد رويداً رويداً، ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متبانية، من ضآلة العقل، وعماية الجهل، وطيش الشباب، وغشم القوة على التفاوت في هذا بينهم، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعاً لهذا التفاوت. حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف ختاماً للأديان ومتمماً للشرائع، وجامعاً لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية و مرونة القواعد، جمعاً وفَّقَ بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد، وأسر، وجماعات، وأمم، وشعوب، وحيوان، ونبات، وجماد، مما جعله بحق ديناً عاماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

2- من الحكم أيضاً التخفيف والتيسير: مثاله: إن الله تعالى أمر بثبات الواحد من الصَحابَة للعشرة في قوله تعالى: { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [ الأنفال:65]
ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى :{ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [الأنفال:66]
فهذا المثال يدل دلالة واضحة على التخفيف والتسير ورفع المشقة، حتى يتذكر المسلم نعمة الله عليه.

3- مراعات مصالح العباد.

4- ابتلاء المكلف واختباره حسب تطور الدعوة وحال الناس.

أقسام النسخ في القرآن الكريم

1- نسخ التلاوة والحكم معاً.: رُوي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما نزل من القرآن:"عشر رضعات معلومات يحرّمن " فنسخن خمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن". ولا يجوز قراءة منسوخ التلاوة والحكم في الصلاة ولا العمل به، لأنه قد نسخ بالكلية. إلا أن الخمس رضعات منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية.

2- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.: يُعمل بهذا القسم إذا تلقته الأمة بالقبول، لما روي أنه كان في سورة النور: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً من الله والله عزيز حكيم "، ولهذا قال عمر: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي.

وهذان القسمان:
1- نسخ الحكم والتلاوة
2- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
3- قليل في القرآن الكريم، ونادر أن يوجد فيه مثل هذان القسمان، لأن الله سبحانه أنزل كتابه المجيد ليتعبد الناس بتلاوته، وبتطبيق أحكامه.

3- نسخ الحكم وبقاء التلاوة.: فهذا القسم كثير في القرآن الكريم، وهو في ثلاث وستين سورة. ومثاله:

1- قيام الليل: المنسوخ: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا }[المزمل: 1- 3]. والناسخ: قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } [المزمل ـ من الآية20].. النسخ: وجه النسخ أن وجوب قيام الليل ارتفع بما تيسر، أي لم يَعُدْ واجباً.

2- محاسبة النفس.: المنسوخ: قوله تعالى: { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } [البقرة ـ من الآية 284]. والناسخ: قوله تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } [ البقرة ـ من الآية 286 ].. النسخ: وجهه أن المحاسبة على خطرات الأنفس بالآية الأولى رُفعت بالآية التالية.

3- حق التقوى. فالمنسوخ: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [آل عمران من ـ الآية 102]. والناسخ: قوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن ـ من الآية 16]، والنسخ: رفع حق التقوى بالتقوى المستطاعة.

الحكمة من نسخ الحكم وبقاء التلاوة

1- إن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه، والعمل به، فإنه كذلك يُتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.

2- إن النسخ غالباً يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيراً بالنعمة ورفع المشقة، حتى يتذكر العبد نعمة الله عليه.

النسخ إلى بدل وإلى غير بدل

1- النسخ إلى بدل مماثل، كنسخ التوجه من بيت المقدس إلى بيت الحرام: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } [البقرة ـ من الآية 144].

2- النسخ إلى بدل أثقل، كحبس الزناة في البيوت إلى الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن. ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان.

3- النسخ إلى غير بدل، كنسخ الصدقة بين يدي نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم.

4- النسخ إلى بدل أخف: مر معنا في الأمثلة السابقة ( قيام الليل ).


أنواع النسخ


* النوع الأول : نسخ القرآن بالقرآن، وهو متفق على جوازه ووقوعه.

* النوع الثاني :نسخ القرآن بالسنة وهو قسمان.

1- نسخ القرآن بالنسبة الآحادية، والجمهور على عدم جوازه.

2- نسخ القرآن بالسنة المتواترة.

أ- أجازه الإمام أبو حنيفة ومالك ورواية عن أحمد، واستدلوا بقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } [البقرة: 180] فقد نسخت هذه الآية بالحديث المستفيض، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " ألا لا وصية لوارث " ولا ناسخ إلا السنة . وغيره من الأدلة .

ب- منعه الإمام الشافعي ورواية أخرى لأحمد، واستدلوا بقوله تعالى: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106] قالوا: السنة ليست خيراً من القرآن ولا مثله.

* النوع الثالث : نسخ السنة بالقرآن:
أجازه الجمهور، ومثلوا له بنسخ التوجه إلى بيت المقدس الذي كان ثابتاً بالسنة بالتوجه إلى المسجد الحرام. ونسخ صوم
عاشوراء بصوم رمضان.
 
 
المنظومة التكاملية لعلوم القرآن الكريم

الجزء الثامن
الناسخ والمنسوخ

أهمية العلم به: العلم بالنسخ ضروري لفهم القرآن الكريم، ومعرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن أمر لا بد منه لحسن تفسيره ومعرفة أحكامه، وعدم الخطأ فيها، فقد يتبنى البعض حكماً استخرجه من آية، وهو لا يعلم أن هذا الحكم منسوخ. قال عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – على رجل يتحدث عن تفسير القرآن في المسجد، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ فقال:لا. قال: أنت أبو من ؟ قال: لقد هلكت وأهلكت، لا تقص في مسجدنا.

1- لغة: الرفع والإزالة والتبديل. يقال: نسخت الشمس الظّل، أي أزالته. ويأتي بمعنى التبديل والتحويل، يشهد له قوله تعالى: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ } [النحل: 101].

2- اصطلاحاً:المنسوخ بدليل شرعي متأخر عنه، أي رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. فالحكم المرفوع يسمى: المنسوخ، والدليل الرافع يسمى: الناسخ، ويسمى الرفع: النسخ. أي أن الله يرفع الحكم الشرعي، الذي تقرره آية من كتاب الله، ويزيله ويلغيه، وقد يكون هذا بعوض وبدل، وقد لا يكون له عوض وبدل، ويحل محله حكماً شرعياً آخر.والحكم المرفوع يسمى المنسوخ، والحكم البديل يسمى الناسخ. والذي يرفع الأحكام وينسخها هو الله، والمراد بقولهم ( رفع حكم شرعي ) الحكم المنسوخ، والمراد بقولهم ( بدليل شرعي ) الحكم الناسخ. فعملية النسخ على هذا تقضي منسوخاً وهو الحكم الذي كان مقرراً سابقاً، وتقتضي ناسخاً، وهو الدليل اللاحق.

والدليل على وقوع النسخ في القرآن موجود في القرآن نفسه، فمن الآيات التي تشير إلى وقوع النسخ في القرآن قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها، نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } سورة البقرة: آية 106. وهذه الآية صريحة في النسخ، تقرر أن الله إذا نسخ آية ورفع حكمها، أو نسأها وأخرها، وأبقى حكمها، فإنه يأتي بحكم خير من الحكم المنسوخ، ويكون خيراً للعباد في التعبد، سواء كان أخف من المنسوخ، أو أثقل منه، أو مساوياً له، أو يأتي الله بحكم مثل الحكم الأول. ونلاحظ أن الأفعال الثلاثة في الآية مسندة إلى الله: ( ننسخ، ننسها، نأت ) أي أن الله هو الذي ينسخ ما شاء من أحكام آياته، ويبقي ما شاء منها، وإذا نسخ بعضها، فهو الذي يأتي بالدليل الناسخ.

شروط النسخ
وضع العلماء شروطا ً لا بد منها لتحقيق النسخ في القرآن من أهمها:

1- أن يكون المنسوخ حكماً شرعياً ثابتاً بالقرآن أو بالسنة.

2- أن يكون الناسخ دليلاً شرعياً، ثابتاً بالقرآن الكريم.

3- أن يكون الناسخ متراخياً عن المنسوخ.

4- أن يكون بين النصين القرآنيين – المنسوخ والناسخ – تعارض حقيقي بحيث لا يمكن الجمع بينهما، في أي صورة من صور الجمع والتوفيق، كالعموم والخصوص.

5- أن يكون المنسوخ مطلقاً غير متعلق بوقت معلوم، فإذا كان في الآية ما يدل على توقيتها، لا يعد انتهاء وقتها نسخاً. فقوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } سورة البقرة: آية 109. ليس منسوخاً بآيات القتال، لأنه محدد بوقت معين، فالعفو والصفح مستمران إلى أن يأتي الله بأمره، وهو الأمر بالقتال، وعندما أمر الله بالقتال انتهى الأمر بالعفو والصفح.

6- أن لا يكون المنسوخ خبراً، لأنه لا نسخ في الأخبار.

ولقد رفض الإمام السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن مبالغة البعض في القول بالنسخ والإكثار منه، وعدّ معظم الآيات التي قيل بنسخها أنها محكمة، ولم يثبت عنده النسخ إلا في عشرين آية فقط، على خلاف في نسخ بعضها، ولا يصح دعوى النسخ في غيرها. وقد يكون المنسوخ في القرآن، وقد يكون في السنة، وقد يكون الناسخ في القرآن، وقد يكون في السنة. والنسخ الوحيد الذي ثبت في القرآن، هو نسخ الحكم، أي أن الله ينسخ أحكام بعض الآيات بآيات أخرى لاحقة، ويبقي ألفاظ الآيات المنسوخة أحكامها في القرآن، يتلوها المؤمنون، ويتدبرونها، ويتذوقون معانيها.

الحكمة من النسخ

الله عليم حكيم، والحكمة تبدو في كل أفعاله وأحكامه سبحانه وتعالى، والحكمة تعني الصحة والصواب والمصلحة. فالله لا يشرع تشريعاً إلا بمقتضى حكمته، وإلا لمصلحة الأمة، ولهذا كان النسخ في أحكام الشريعة مظهراً من مظاهر حكمة الله، وكان لتحقيق المصلحة للعباد، وتقديم الخير لهم. ومن حكمة النسخ التيسير على المسلمين والمؤمنين ورفع الحرج عنهم، وابتلائهم واختبارهم لإظهار فضلهم، وتربية الأمة بالتدرج في التشريع، كالتدرج في تحريم الخمر.

ولعلنا نضع النقاط التالية كملخص لحكمة النسخ:

1- يحتل النسخ مكانة هامة في تاريخ الأديان، حيث أن النسخ هو السبيل لنقل الإنسان إلى الحالة الأكمل عبر ما يعرف بالتدرج في التشريع، وقد كان الخاتم لكل الشرائع السابقة والمتمم له ما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا التشريع بلغت الإنسانية الغاية في كمال التشريع. وتفصيل هذا: أن النوع الإنساني تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دوراً غيره، فالبشر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة، وبساطة، وضعفاً، وجهالة، ثم اخذوا يتحولون من هذا العهد رويداً رويداً، ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متبانية، من ضآلة العقل، وعماية الجهل، وطيش الشباب، وغشم القوة على التفاوت في هذا بينهم، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعاً لهذا التفاوت. حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف ختاماً للأديان ومتمماً للشرائع، وجامعاً لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية و مرونة القواعد، جمعاً وفَّقَ بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد، وأسر، وجماعات، وأمم، وشعوب، وحيوان، ونبات، وجماد، مما جعله بحق ديناً عاماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

2- من الحكم أيضاً التخفيف والتيسير: مثاله: إن الله تعالى أمر بثبات الواحد من الصَحابَة للعشرة في قوله تعالى: { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [ الأنفال:65]
ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى :{ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [الأنفال:66]
فهذا المثال يدل دلالة واضحة على التخفيف والتسير ورفع المشقة، حتى يتذكر المسلم نعمة الله عليه.

3- مراعات مصالح العباد.

4- ابتلاء المكلف واختباره حسب تطور الدعوة وحال الناس.

أقسام النسخ في القرآن الكريم

1- نسخ التلاوة والحكم معاً.: رُوي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما نزل من القرآن:"عشر رضعات معلومات يحرّمن " فنسخن خمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن". ولا يجوز قراءة منسوخ التلاوة والحكم في الصلاة ولا العمل به، لأنه قد نسخ بالكلية. إلا أن الخمس رضعات منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية.

2- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.: يُعمل بهذا القسم إذا تلقته الأمة بالقبول، لما روي أنه كان في سورة النور: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً من الله والله عزيز حكيم "، ولهذا قال عمر: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي.

وهذان القسمان:
1- نسخ الحكم والتلاوة
2- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
3- قليل في القرآن الكريم، ونادر أن يوجد فيه مثل هذان القسمان، لأن الله سبحانه أنزل كتابه المجيد ليتعبد الناس بتلاوته، وبتطبيق أحكامه.

3- نسخ الحكم وبقاء التلاوة.: فهذا القسم كثير في القرآن الكريم، وهو في ثلاث وستين سورة. ومثاله:

1- قيام الليل: المنسوخ: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا }[المزمل: 1- 3]. والناسخ: قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } [المزمل ـ من الآية20].. النسخ: وجه النسخ أن وجوب قيام الليل ارتفع بما تيسر، أي لم يَعُدْ واجباً.

2- محاسبة النفس.: المنسوخ: قوله تعالى: { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } [البقرة ـ من الآية 284]. والناسخ: قوله تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } [ البقرة ـ من الآية 286 ].. النسخ: وجهه أن المحاسبة على خطرات الأنفس بالآية الأولى رُفعت بالآية التالية.

3- حق التقوى. فالمنسوخ: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [آل عمران من ـ الآية 102]. والناسخ: قوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن ـ من الآية 16]، والنسخ: رفع حق التقوى بالتقوى المستطاعة.

الحكمة من نسخ الحكم وبقاء التلاوة

1- إن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه، والعمل به، فإنه كذلك يُتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.

2- إن النسخ غالباً يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيراً بالنعمة ورفع المشقة، حتى يتذكر العبد نعمة الله عليه.

النسخ إلى بدل وإلى غير بدل

1- النسخ إلى بدل مماثل، كنسخ التوجه من بيت المقدس إلى بيت الحرام: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } [البقرة ـ من الآية 144].

2- النسخ إلى بدل أثقل، كحبس الزناة في البيوت إلى الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن. ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان.

3- النسخ إلى غير بدل، كنسخ الصدقة بين يدي نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم.

4- النسخ إلى بدل أخف: مر معنا في الأمثلة السابقة ( قيام الليل ).


أنواع النسخ


* النوع الأول : نسخ القرآن بالقرآن، وهو متفق على جوازه ووقوعه.

* النوع الثاني :نسخ القرآن بالسنة وهو قسمان.

1- نسخ القرآن بالنسبة الآحادية، والجمهور على عدم جوازه.

2- نسخ القرآن بالسنة المتواترة.

أ- أجازه الإمام أبو حنيفة ومالك ورواية عن أحمد، واستدلوا بقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } [البقرة: 180] فقد نسخت هذه الآية بالحديث المستفيض، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " ألا لا وصية لوارث " ولا ناسخ إلا السنة . وغيره من الأدلة .

ب- منعه الإمام الشافعي ورواية أخرى لأحمد، واستدلوا بقوله تعالى: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106] قالوا: السنة ليست خيراً من القرآن ولا مثله.

* النوع الثالث : نسخ السنة بالقرآن:
أجازه الجمهور، ومثلوا له بنسخ التوجه إلى بيت المقدس الذي كان ثابتاً بالسنة بالتوجه إلى المسجد الحرام. ونسخ صوم
عاشوراء بصوم رمضان.
تابع القراءة ..
المنظومة التكاملية لعلوم القرآن الكريم
الجزء الرابع
المكي والمدني والشتائي والصيفي
للعلماء في تعريف كل من المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة:
الأول: وهو أدقها وأشهرها، أن الفرق بينهما بالزمن، فالمكي ما نزل قبل الهجرة. والمدني ما نزل بعد الهجرة، وتحدد الهجرة بوصول النبي – صلى الله عليه وسلم – المدينة، وعلى ذلك فما نزل بمكة عام الفتح، أو عام حجة الوداع، أو بسفر من الأسفار بعد الهجرة هو من قبيل المدني.
الثاني: أن الفرق بينهما بالمكان، فالمكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة.
ويدخل في مكة ضواحيها، كمنى وعرفات والحديبية. ويدخل في المدينة ضواحيها كبدر وأحد.
ويضعف هذا الاصطلاح لزوم الواسطة، إذ يلزم عليه أن ما نزل بسفر من الأسفار بعيداً عن مكة وضواحيها، وبعيداً عن المدينة وضواحيها لا يطلق عليه مكي ولا مدني.
الثالث: أن الفرق بينهما بأسلوب القرآن، فالمكي ما وقع خطاباً لأهل مكة، والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدني؛ وهذا الاصطلاح تلزمه الواسطة أيضاً بصورة أكثر، فالآيات العامة التي ليست خطاباً لأهل مكة وحدهم، ولا لأهل المدينة وحدهم لا تحصى.

مميزات وضوابط المكي والمدني:

وضع العلماء مميزات وضوابط للسور المكية والمدنية تسهل على المشتغل بعلوم القرآن أن يفرق بينهما. أما المميزات وهي غالبية فقد قالوا: يمتاز المكي:
1 – بالعناية بإثبات الوحدانية والرسالة والبعث والجزاء.
2 – بسرد أنباء الرسل وما لحقهم من الأذى، وأنباء أممهم وما نزل بهم من العقاب تسلية للنبي – صلى الله عليه وسلم -، ووعيداً للمكذبين.
3- بمعالجة عادات المشركين القبيحة كالقتل ووأد البنات واستباحة الأعراض وأكل مال اليتيم.
4 – وبالإيجاز في الخطاب وقصر الآيات وقصر السور.
ويمتاز المدني:
1 – بتفصيل أحكام الشريعة العملية في العبادات والمعاملات والحدود.
2 – بكشف حال المنافقين وهتك أستارهم وإنذارهم بالعذاب الشديد.
3 – بمجادلة أهل الكتاب في عقائدهم الفاسدة وإرشادهم إلى سماحة الإسلام.
4 – بالدعوة إلى الجهاد وبيان أحكامه.
5 – بالإطناب وطول الآيات وطول السور.
ضوابط المكي هي:
1 – كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
2 – كل سورة فيها لفظ (كلا ) فهي مكية،
3 – كل سورة في أولها حروف التهجي فهي مكية سوى البقرة وآل عمران، فإنهما مدنيتان بالإجماع وفي سورة الرعد خلاف.
4 – كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة وقصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة.
ضوابط المدني هي:
1 – كل سورة فيها حدود وفرائض فهي مدنية.
2 – كل سورة فيها إذن بالجهاد وبيان أحكامه فهي مدنية.
3 – كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت.
مميزاته:
1- بيان العبادات والمعاملات، والحدود، والجهاد، والسِّلْم، والحرب، ونظام الأسرة، وقواعد الحكم، ووسائل التشريع.
2- مخاطبة أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام.
3- الكشف عن سلوك المنافقين وبيان خطرهم على الدين.
4- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر قواعد التشريع وأهدافه ومراميه.
تلك ضوابط المكي والمدني بالوصف، أما ضوابطه بالاسم فأحسن ما قيل فيها ما نقله السيوطي عن أبي الحسن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ حيث قال: المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق.
السور المدنية هي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، النور، الأحزاب، محمد، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الجمعة، المنافقون، الطلاق، التحريم، النصر.
وأن السور المختلف فيها اثنتا عشرة سورة هي: الفاتحة، الرعد، الرحمن، الصف، التغابن، التطفيف، القدر، البينة، الزلزلة، الإخلاص، الفلق، الناس.
وأن ما سوى ذلك مكي، وهو اثنتان وثمانون سورة، فيكون مجموع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة.

أمثلة للآيات المكية في سور مدنية وبالعكس

* آيات مكية في سور مدنية

1. سورة الأنفال كلها مدنية ما عدا قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ...} [الأنفال: 64].
2. سورة المجادلة كلها مدنية ما عدا قوله تعالى: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ… }[المجادلة: 7].

* آيات مدنية في سور مكية

1. سورة يونس كلها مكية ما عدا قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ..} [يونس: 40]. وقوله: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنْ الْخَاسِرِينَ } الآيتين [94-95].
2. سورة الكهف مكية واستثنى من أولها إلى { جُرُزاً } [الكهف: 1-8]. وقوله: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ...} [الكهف: 28] و { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا...} إلى آخر السورة [الكهف: 107].

ما حمل من مكة إلى المدينة وبالعكس.

* ما حمل من مكة إلى المدينة:

أ‌- سورة " الأعلى " حملها مصعب بن عمير (1)وابن أم مكتوم (2)رضي الله عنهما
ب‌- سورة "يوسف" حملها عوف بن عفراء (3)في الثمانية الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة .
ج - ثم حمل بعدها سورة " الإخلاص ".
هـ- ثم حمل بعدها من سورة الأعراف قوله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ...} إلى آخر الآية [الأعراف: 158].

* ما حمل من المدينة إلى مكة:

أ‌- حملت آية الربا من المدينة إلى مكة، فقرأها عتاب بن أُسيد عليهم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } [ البقرة: 278].
ب‌- سورة براءة حملها أبو بكر الصديق رضي الله عنه في العام التاسع عندما كان أميراً على الحج، فقرأها علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم النحر على الناس.
ج- قوله تعالى: { إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ...} [النساء: 98]. إلى قوله { عَفُوًّا غَفُورًا } [ النساء: 99].

* ما حمل من المدينة إلى الحبشة

1- حمل من المدينة إلى الحبشة سورة مريم، فقد ثبت أن جعفر بن أبي طالب قرأها على النَّجَاشي.
2- بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جعفر بن أبي طالب بهذه الآيات إلى الحبشة { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ..} [آل عمران: 64] إلى قوله: { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ...} [آل عمران: 68].

معرفة المكي والمدني:

اعتمد العلماء في معرفة المكي والمدني على منهجين أساسيين: المنهج السماعي النقلي، والمنهج القياسي الاجتهادي.
ويقصد بالمنهج السماعي النقلي ما يستند إلى الرواية الصحيحة عن الصحابة الذين عاصروا الوحي، وشاهدوا نزوله، أو عن التابعين الذين تلقوا عن الصحابة وسمعوا منهم كيفية النزول ومواقعه وأحداثه.
أما المنهج القياسي الاجتهادي فهو الذي يستند إلى خصائص المكي وخصائص المدني.
والنقل والعقل هما طريق المعرفة السليمة والتحقيق العلمي.

فوائد العلم بالمكي والمدني:

للعلم بالمكي والمدني فوائد أهمها: الاستعانة به في تفسير القرآن الكريم، والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى، والوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية.

المكي والمدني من السور على ترتيب النزول.

العلق، ن، المزمل، المدثر، الفاتحة، المسد، التكوير، الأعلى، الليل، الفجر، الضحى، الشرح، العصر، العاديات، الكوثر، التكاثر، الماعون، الكافرون، الفيل، الفلق، الناس، الإخلاص، النجم، عبس، القدر، الشمس، البروج، التين، قريش، القارعة، القيامة، الهمزة، المرسلات، ق، البلد، الطارق، القمر، ص، الأعراف، الجن، يس، الفرقان ، فاطر، مريم، طه، الواقعة، الشعراء، طس النمل، القصص، الإسراء ، يونس، هود، يوسف، الحجر، الأنعام، الصافات، لقمان، سبأ، الزمر، حم غافر، حم السجدة فصلت ، حم عسق الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، الذاريات، الغاشية، الكهف، النحل، نوح، إبراهيم، الأنبياء، المعارج، المؤمنين، السجدة، الطور، الملك، الحاقة، سأل المعارج، النبأ، النازعات، الانفطار، الانشقاق، الروم، العنكبوت، المطففين، البقرة، الأنفال، آل عمران، الأحزاب، الممتحنة، النساء، الزلزلة، الحديد، القتال محمد، الرعد، الرحمن، الإنسان، الطلاق، البينة، الحشر، النور، الحج، المنافقون، المجادلة، الحجرات، التحريم، التغابن، الصف، الجمعة، الفتح، المائدة، براءة، النصر.

ما نزل في أماكن متعددة

1- ما نزل بالطائف: قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ...} [الفرقان: 45].
2- ما نزل ببيت المقدس: قوله تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } [ الزخرف : 45].
3- ما نزل بالحديبية: قوله تعالى: { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } [ الرعد: 30 ].

ما نزل صيفاً وشتاءً:

* من الآيات التي نزلت في الصيف:

أ- آية الكلالة: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النساء: 176].
ب- قوله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} [المائدة: 3].
جـ- قوله تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ..} [البقرة: 281].
د- قوله تعالى: { لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ..} [ التوبة: 42].
هـ- قوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } [ التوبة : 65].
و- قوله تعالى: { وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ..} [التوبة: 81].

* من الآيات التي نزلت في الشتاء:

أ- الآيات التي في غزوة الخندق من سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } من الآية 9 وحتى الآية 27.
ب- آيات الإفك: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إنها نزلت في يوم شات:
{ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } [النور:11-22].

*ما نزل بالجُحْفَة: قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } [القصص: 85 ].
 
 
المنظومة التكاملية لعلوم القرآن الكريم

الجزء الخامس

أسباب النزول

أ- تعريف السبب:

لغة: الحبل. ثم استعمل لكل شيء يتوصل به إلى غيره.

شرعاً: ما يكون طريقاً للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه. مثاله: زوال الشمس علامة لوجوب الصلاة، وطلوع الهلال علامة على وجوب صوم رمضان في قوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } [البقرة: 185].

ب-أسباب النزول:

1 - قسم نزل بدون سبب ، وهو أكثر القرآن.

2- قسم نزل مرتبط بسبب من الأسباب. ومن هذه الأسباب:

أ- حدوث واقعة معينة فينزل القرآن الكريم بشأنها:
عن ابن عباس قال: لما نزلت: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } [ الشعراء: 214]. خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فاجتمعوا إليه فقال" أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟.." الحديث ، فقال أبو لهب تباً لك، إنما جمعتنا لهذا، ثم قام، فنزل قوله تعالى: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } [المسد: 1].

ب-أن يُسال الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء، فينزل القرآن ببيان الحكم
مثال ذلك: عن عبد الله قال: إني مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة وهو متكىء على عسيب، فمر بنا ناس من اليهود فقالوا: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون، فأتاه نفر منهم فقالوا له: يا أبا القاسم ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام، فأمسك وجهه بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه، فأنزل الله عليه: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا } [الإسراء: 85].
إن ترتيب القرآن في المصحف، ليس هوحسب ترتيبه في النزول، وإن آياته وسوره إنما نزلت مفرقة حسب الوقائع والأحوال والمناسبات. ولا يعني هذا أن يلتمس الباحث لكل آية سبباً، فإن القرآن الكريم نزل على قسمين: قسم نزل ابتداءً بعقائد الإيمان وواجبات الإسلام، وشرائع الله تعالى في حياة الفرد وحياة الجماعة، وقسم نزل عقب حادثة أو سؤال. ولذا يعرف سبب النزول بالآتي: هو ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال.

مثال الحادثة: مارواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال: ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) سورة الشعراء: آية 214. قالوا:بي- صلى الله عليه وسلم –حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ ؟ فقاقام:ا جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يديّ عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك، إنما جمعتنا لهذا ؟ ثم قام: فنزلت هذه السورة: ( تبت يدا أبي لهب ٍ وتبّ ) سورة المسد: آية 1

مثال السؤال: أن يسأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم –عن شيء فيتنزل القرآن ببيان الحكم فيه، كالذي كان من خولة بنت ثعلبة عندما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، فذهبت تشتكي من ذلك، عن عائشة قالت: ( تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سنّي وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها...... ) الآيات من سورة المجادلة وهو أوس بن الصامت.
أخرجه ابن ماجة وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي.
الحكمة والفوائد من أسباب النزول

1-الحكمة:

*- معرفة وجه ما ينطوي عليه تشريع الحكم على التعيين لما فيه نفع المؤمنين وغير المؤمنين، فالمؤمن يزداد إيماناً على إيمانه لما شاهده وعرف سبب نزوله، والكافر إن كان منصفاً يبهره صدق هذه الرسالة الإلهية فيكون سبباً لإسلامه، لأن ما نزل بسبب من الأسباب إنما يدل على عظمة المُنزل وصدق المُنزَل عليه.

2-الفوائد:

أ- الاستعانة على فهم الآية وتفسيرها وإزالة الإشكال عنها، لما هو معلوم من الارتباط بين السبب والمسبب.
قال الواحدي: لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.
قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
قال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
وقد أشكل على مروان بن الحكم قوله تعالى: { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا...} [آل عمران: 188].
وقال: لئن كان كل امرىء فرح بما أُوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبنَّ أجمعون، حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأَرَوْه أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه.

ب- أن لفظ الآية يكون عاماً، ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عُرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته.

جـ- دفع توهم الحصر، قال الإمام الشافعي ما معناه في قوله تعالى: { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا...} [الأنعام: 145]: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة - أي تصرفهم بقصد المخالفة - جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه.

د- معرفة اسم النازل فيه الآية، وتعيين المبهم فيه.
إن معرفة سبب النزول تعين على فهم الآيات القرآنية فهماً صحيحاً، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، كما تعين على تيسير الحفظ وتثبيت المعنى، فإن ربط الأحكام بالحوادث والأشخاص والأمكنة والأزمنة تقرر المعلومات وتركزها، كما تفيدنا وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
وهناك من الآيات ما يصعب فهم المراد منه، ويقع الخطأ في تفسيره، إذا لم يعلم سبب نزوله. ومن ذلك قوله تعالى: ( ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله ) سورة البقرة: آية 115 ، فظاهر اللفظ أن للإنسان أن يصلي إلى أية جهة يشاء، ولا يجب استقبال الكعبة لا في سفر ولا حضر، لكن إذا علم أن الآية خاصة بنافلة السفر، أو فيمن صلى باجتهاد وبان خطؤه، علم أن الظاهر غير مراد، فعن ابن عمر-رضي الله عنهما- أن هذه الآية نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت.

كيفية معرفة أسباب النزول:

لما كان سبب النزول أمراً واقعاً نزلت بشأنه الآية، كان من البَدَهي ألا يدخل العلم بهذه الأسباب في دائرة الرأي والاجتهاد، لهذا قال الإمام الواحدي: ولا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها.
وطريق معرفة سبب النزول، هو النقل الصحيح عن الصحابة الذين عاصروا النزول، ووقفوا على الوقائع والملابسات، ولا مجال للعقل فيه، إلا بالترجيح بين الروايات أو الجمع فيما ظاهره التعارض منها، ولا يحل القول في أسباب النزول بالرأي والاجتهاد. وقول الصحابي في سبب النزول مقبول وله حكم الحديث المرفوع، فيما لا مجال للاجتهاد فيه.
ومن هنا نفهم تشدد السلف في البحث عن أسباب النزول، حتى قال الإمام محمد بن سيرين: سألت عَبيدَةَ عن آية من القرآن، فقال: اتق الله وقل سداداً، ذهَب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن.
وقد اتفق علماء الحديث على اعتبار قول الصحابي في سبب النزول لأن أسباب النزول غير خاضعة للاجتهاد فيكون قول الصحابي حكمه الرفع، أما ما يرويه التابعون من أسباب النزول، فهو مرفوع أيضاً، لكنه مرسل، لعدم ذكر الصحابي.
لكن ينبغي الحذر والتيقظ، فلا نخلط بأسباب النزول ما ليس منها، فقد يقع على لسانهم قولهم: نزلت هذا الآية في كذا ويكون المراد موضوع الآية، أو ما دلت عليه من الحكم.

صيغة السبب:

1-تكون نصحاً صريحاً في السببية إذا صرح الراوي بالسبب بأن يقول: سبب نزول هذه الآية كذا، أو يأتي الراوي بفاء التعقيب بعد ذكر الحادثة، بأن يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، فنزلت الآية.

2-تكون محتملة للسببية إذا قال الراوي: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، أو ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في كذا، مثال ذلك ما حدث للزبير والأنصاري ونزاعهما في سقي الماء، وتشاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفذ فيهما حكم الله، فكأن الأنصاري لم يعجبه هذه الحكم، فنزل قوله تعالى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [ النساء: 65 ]. فقال الزبير ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك.

اختلاف روايات أسباب النزول

لما كان سبيل الوصول إلى أسباب النزول هو الرواية والنقل، كان لا بد أن يعرض لها ما يعرض للرواية من صحة وضعف، واتصال وانقطاع، غير أنا هنا على ظاهره هامة يحتاج الدارس إليها وهي اختلاف روايات أسباب النزول وتعددها، وذلك لأسباب يمكن تلخيص مهماتها فيما يلي:

1-ضعف الرواة:
وضعف الراوي يسبب له الغلط في الرواية، فإذا خالفت روايته المقبولين، كانت روايته مردودة.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [ البقرة: 115]. فقد ثبت أنها في صلاة التطوع للراكب المسافر على الدابة.
أخرج مسلم عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}. وأخرج الترمذي وضعّفه: أنها في صلاة من خفيت عليه القبلة فاجتهد فأخطأ القبلة، فإن صلاته صحيحة. فالمعوّل عليه هنا في سبب النزول الأول لصحته.

2- تعدد الأسباب والمُنَزَّل واحد:
وذلك بأن تقع عدة وقائع في أزمنة متقاربة، فتنزل الآية لأجلها كلها، وذلك واقع في مواضيع متعددة من القرآن، والعمدة في ذلك على صحة الروايات، فإذا صحت الروايات بعدة أسباب ولم يكن ثمة ما يدل على تباعدها كان ذلك دليلاً على أن الكل سبب لنزول الآية والآيات.
مثال ذلك: آيات اللعان: فقد أخرج البخاري: أنها نزلت في هلال بن أمية لما قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ..} [النور: 6].
وفي الصحيحين : أنها نزلت في عويمر العجلاني وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً…فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه قد أنزل فيك وفي صاحبتك القرآن".
وظاهر الحديثين الاختلاف، وكلاهما صحيح. فأجاب الإمام النووي: بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيىء عويمر أيضاً، فنزلت في شأنهما معاً.

3- أن يتعدد نزول النص لتعدد الأسباب:
قال الإمام الزركشي: وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه … ولذلك أمثلة، منها:
ما ثبت في الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: { ويسألونك عن الروح } أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة، ومعلوم أن هذه الآية في سورة " سبحان " - أي الإسراء وهي مكية بالاتفاق ، فإن المشركين لما سألوه عن ذي القرنين وعن أهل الكهف قبل ذلك بمكة، وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك، فأنزل الله الجواب، كما سبق بيانه.
ولا يقال: كيف يتعدد النزول بالآية الواحدة، وهو تحصيل حاصل؟. فالجواب: أن لذلك فائدة جليلة ، والحكمة من هذا - كما قال الزركشي - أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية ، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها، فتؤدي تلك الآية بعينها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تذكيراً لهم بها ، وبأنها تتضمن هذه .

تعدد النزول مع وحدة السبب

1-قد يتعدد ما ينزل والسبب واحد ومن ذلك ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } [ آل عمران:195 ].
2-عن أم سلمة قالت: يا رسول الله ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال، فأنزلت: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } [الأحزاب: 35].

3-عن أم سلمة أنها قالت: تغزوا الرجال ولا تغزوا النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله: { وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } [ النساء: 32 ] .

حـ - تقدم نزول الآية على الحكم

1- المثال الأول: قوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [الأعلى: 14] استدل بها على زكاة الفطر، والآية مكية، وزكاة الفطر في رمضان، ولم يكن في مكة عيد ولا زكاة.

2-المثال الثاني: قوله تعالى: { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } [البلد: 1-2] السورة مكية، وقد ظهر أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال صلى الله عليه وسلم: " أحلت لي ساعة من نهار ".
3- المثال الثالث: قوله تعالى: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } [ القمر: 45] قال عمر ابن الخطاب: كنت لا أدري أي الجمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ }.

تعدد ما نزل في شخص واحد

1- موافقات عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

أخرج البخاري عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث. قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } [ البقرة: 125].
وقلت يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } [التحريم: 5] فنزلت كذلك.

2- نزلت آيات في سعد بن أبي وقاص: قال: كانت أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } [لقمان: 15].
الآية الثانية: يقول سعد: أخذت سيفاً فأعجبني، فقلت: يا رسول الله هب لي هذا، فنزلت سورة الأنفال.

أمثلة عن أسباب النزول

1- قوله تعالى: { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ } [البقرة: 142] نزلت في تحويل القبلة.
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة،فأنزل الله تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } [البقرة: 144]، فقال السفهاء من الناس-وهم اليهود- { مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } قال الله تعالى: { قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } [البقرة: 142].

2- قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم } [النساء : 11].
عن جابر قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش عليَّ منه فأفقت فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: { يوصيكم الله في أولادكم }.

3- قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } [المائدة: 101].
عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي ؟ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.

4- قوله تعالى: { وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود:114].
عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن آتيها وأنا هذا فاقض فيّ ما شئت، قال: فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فانطلق الرجل فأتبعه رجلاً ودعاه، فتلا عليه هذه الآية، فقال الرجل: يا رسول الله هذا له خاصة؟ قال: " لا، بل للناس كافة ".

5- قوله تعالى: { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا } [ الإسراء: 110].
عن عباس قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، وكانوا إذا سمعوا القرآن سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } أي بقراءتكم فيسمع المشركون فيسبوا القرآن { وَلا تُخَافِتْ بِهَا } عن أصحابك فلا يسمعون { وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا }.

6- قوله تعالى: { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ } [ النور: 33 ].
عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبي جاريه يقال لها: مسيكة، فكان يكرهها على البغاء، فأنزل الله عز وجل: { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ }.

7- قوله تعالى: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } [ العنكبوت: 8 ] عن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال: نزلت هذه الآية فيّ، قال: حلفت أم سعد لا تكمله أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، ومكثت ثلاثة أيام حتى غشي عليها الجهد، فأنزل الله تعالى: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا }.

8- قوله تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } [الزمر: 53].
عن أبن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت هذه الآية: { قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا...}. 
 
 
 
المنظومة التكاملية لعلوم القرآن الكريم

الجزء السادس

جمع القرآن الكريم

جمع القرآن كلمة قد يراد بها جمعه في الصدور وحفظه واستظهاره، فعطف الكتابة عليه عطف مغاير، وقد يراد به جمعه في الصحف وكتابته وضم بعضه إلى بعض في سطور، فعطف الكتابة عليه عطف تفسير.

يطلق الجمع على معنيين:

1- المعنى الأول : جمعه بمعنى الحفظ في الصدور ، وهذا المعنى ورد في قوله تعالى:
{ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } [ القيامة: 16-17].
2-المعنى الثاني: جمع القرآن بمعنى كتابته في السطور، أي الصحائف التي تضم السورة والآيات جميعها.
حفظ الصحابة للقرآن الكريم

توفرت للصحابة العوامل التي تجعلهم قادرين على حفظ القرآن وتسهل عليهم هذه المهمة ومن تلك العوامل:

1- قوة ذاكرتهم الفذة التي عرفوا بها واشتهروا، حتى كان الواحد منهم يحفظ القصيدة من الشعر بالسمعة الواحدة.
2-نزول القرآن منجماً.
3- لزوم قراءة شيء من القرآن في الصلاة.
4-وجوب العمل بالقرآن، فقد كان هو ينبوع عقيدتهم وعبادتهم، ووعظهم وتذكيرهم.
5- حض النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن، والترغيب بما أعد للقارىء من الثواب والأجر العظيم.
6- تعاهد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بتعليم القرآن: فكان الصحابة تلامذة للنبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون منه القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شيخهم، يتعاهدهم بتعليم القرآن، فإذا أسلم أهل أفق أو قبيله أرسل إليهم من القراء من يعلمهم القرآن، وإن كان في المدينة ضمه إلى حلق التعليم في جامعة القرآن النبوية.

وسنعرض – بإيجاز – لحفظ القرآن الكريم وكتابته في ثلاثة عصور هي: عصر النبي –صلى الله عليه وسلم -، عصر أبي بكر، عصر عثمان (رضي الله عنهما ).

المرحلة الأولى: الجمع الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم :

1- حفظه في الصدور: وهو لون من الحفظ يدوم مع الزمان، لا يذهب بذهاب الإنسان، فلا بد أن يتحقق ما تكفل الله بحفظه: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر : 9].
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلوا القرآن عن ظهر قلب لا يفتر لا سيما في الليل، حتى إنه ليقرأ في الركعة الواحدة العدد من السور الطوال. ولزيادة التثبيت كان جبريل يعارضه بالقرآن كذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن . وقال أبو هريرة: كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه …
لقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن عناية بالغة جداً، فكان كلما نزل عليه شيء منه دعا الكُتّاب - منهم: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان- فأملاه عليهم، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذ مثل: الرقاع، اللخاف، والأكتاف، والعسب . وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم جهد هؤلاء الكتاب في كتابة القرآن فمنع من كتابة غيره إلا في ظروف خاصة أو لبعض أناس مخصوصين.
فتحقق بذلك توفر طاقة كبيرة لكتابة القرآن وترتيبه، كما أخرج الحاكم عن أنس رضي الله عنه: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن في الرَّقاع… ومقصود هذا الحديث فيما يظهر أن المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم .

جمعه في عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم :

بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمياً في قوم أميين، وكانت معجزته عقلية غير حسية وهي القرآن الكريم، فلم يكن بداً من اعتمادها أولاً وبالذات على الذاكرة والحفظ، لذلك حرص الرسول – صلى الله عليه وسلم - على تلقيه أولاً بأول من جبريل بل حرص على أن يتعجل أخذه منه مخافة أن يتفلت منه شيء حتى طمأنه الله تعالى، وضمن له جمعه في صدره، حيث قال تعالى: ( لاتحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ) سورة القيامة: آية 16 – 19.
ولم يكن ينفصم الوحي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى يسارع إلى أصحابه، يقرأ عليهم ما أنزل، ويبلغهم ما أوحى إليه، ثم يتدارس معهم في مجالسهم ويتلو معهم ما سبق نزوله من القرآن.
وقد ثبت أن حفظة القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جمعاً غفيراً، فإن الاعتماد على الحفظ في النقل من خصائص هذه الأمة. وقال ابن الجزري شيخ القرّاء في عصره: ( إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة )

جمع القرآن بمعنى كتابته على عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم :

اتخذ الرسول –صلى الله عليه وسلم – كتاباً للوحي من أجلاّء الصحابة، كعلي، ومعاوية، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، يكتبون ما ينزل من القرآن على سعف النخيل، وعلى صفائح الحجارة وعلى الخرق وعلى الجلود، ثم يتركون ما يكتبون في بيته – صلى الله عليه وسلم -، وكلما نزل عليه شيء دعا بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا. وكان جبريل يعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل سنة في ليالي رمضان. وكان الصحابة يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لديهم من القرآن حفظاً وكتابة ً كذلك.
وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم محفوظ في الصدور، ومكتوب في الصحف على نحو ما سبق، مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط، وكل سورة في صحيفة على حدة، بالأحرف السبعة الواردة،

لم يجمع القرآن في مصحف عام لعدة أسباب من أهمها:

1 - لأن الوحي كان يتنزل تباعاً فيحفظه القراء ويكتبه الكتبة، فلم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد، وكان – عليه الصلاة والسلام – يترقب نزول الوحي من حين لآخر.
2- وقد يكون منه الناسخ لشيء نزل من قبل، ولو جمع القرآن كله بين دفتي مصحف واحد لأدى هذا إلى التغيير كلما نزل شيء من الوحي.

المرحلة الثانية: الجمع الثاني في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه.

لعل من أهم دواعي كتابة القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه هي قصة الكذاب مسيلمة، فقد ادعى النبوة رجل يقال له مسيلمة الكذاب، وتبعه قومه، وقوي أمره بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع من الصحابة، فحاربوه أشد محاربة إلى أن خذله الله وقتله، وفي غضون ذلك قتل عدد كبير من الصحابة، قيل: سبعمائة، وقيل: أكثر، وفيهم نحو سبعين من القراء الذين مهروا في القرآن وحفظه، وتصدروا لتعليمه، وعلى رأسهم سالم مولى أبي حذيفة، أحد الأربعة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم في قوله: ( خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله ابن مسعود، وسالم، وأبي بن كعب )
ففزع عمر بن الخطاب لمقتل سالم وأصحابه، وخشي أن يذهب القرآن، وصادف أن سأل عمر عن آية من كتاب الله، فقيل له: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، قال: إنا لله. وأسرع إلى أبي بكر يقول له: إن القتل قد استحر ( أي اشتد ) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
واستشعر أبو بكر أن هذا الأمر بدعة، فقال لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدره ورأى ما رآه عمر فعزم على تنفيذه. ولما اقتنع أبو بكر وعزم على التنفيذ قال له عمر: أما إذا عزمت على هذا فأرسل إلى زيد بن ثابت فادعه يجمعه معنا. قال زيد بن ثابت: فأرسلا إليّ، فأتيتهما، فقال لي أبو بكر: ( إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي، وإن هذا دعاني إلى أمر، فإن تك معه تبعتكما، وإن توافقني لا أفعل، فقال عمر: إنا نريد أن نجمع القرآن في شيء فاجمعه معنا، فنفر زيد، فقال أبو بكر لعمر: كلمه. وما عليكما لو فعلتما، فكلمه فأقنعه، واتفقوا على العمل.
يقول زيد: فوالله لو كانوا كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. ووكلت مهمة جمع القرآن لزيد وعمر رضي الله عنهما ورسم لهما أبو بكر خطة العمل، خطة دقيقة محكمة، تضمن لكتاب الله قدسيته وسلامته من التغيير والتبديل. قال لهما:

1 – لا تعتمدا على حفظكما ولا على كتابتكما في جمع القرآن وأخذه من المسلمين، فأنتما قاضيان والقاضي لا يحكم بناء على علمه.
2 – ولا تقبلا شيئاً من مجرد الحفظ، بل من المكتوب الموافق للمحفوظ.
3 – لا تقبلا من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان على أن ذلك المكتوب هو مما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهما: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.
فقام عمر في الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأت به. ونفذا الدستور بدقة.
وتمت كتابة القرآن مرتب الآيات في سورها، مقتصراً على ما لم تنسخ تلاوته، مشتملاً على الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن. ثم ضمت الصحف وربطت بخيط، وحفظت عند أبي بكر حتى توفاه الله، فانتقلت إلى عمر طيلة حياته، ثم عند ابنته حفصة لأنها كانت وصية عمر، فاستمر ما كان عنده عندها.
والجدير بالذكر أن أبا بكر فعل ذلك بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، على أن القرآن كان مأذوناً بكتابته في قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ )رواه مسلم، وكل ما فعله أبو بكر أنه جمع المتفرق وضم بعضه إلى بعض. وكان هذا العمل مفخرة لأبي بكر، لا موطناً للنقد والطعن.
عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر، مقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال : إن القتل قد استحر بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر : كيف تفعل شيئاَ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتّبع القرآن فأجمعه - فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن- قلت كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قال: والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب و اللِّخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، ولم أجدها مع غيره: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ...} [التوبة: 128- 129]. حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم.
فكان منهج زيد بن ثابت في جمع القرآن يعتمد على تتبعه الدقيق في جمع القرآن من العُسُب و اللَّخاف وصدور الرجال، فكان منهجه أن يسمع من الرجال ثم يعرض ما سمعه على ما كان مجموعاً في العُسُب والأكتاف، فكان رضي الله عنه لا يكتفي بالسماع فقط دون الرجوع إلى الكتابة، وكذلك من منهجه في جمع القرآن أنه لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد عليه شاهدان، وهذا زيادة في التحفظ، مع أن زيداً كان من حفظة القرآن.
وقد اعتمد الصحابة كلهم وبالإجماع القطعي هذا العمل وهذا المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وتتابع عليه الخلفاء الراشدون كلهم والمسلمون كلهم من بعده، وسجلوها لأبي بكر الصديق منقبة فاضلة عظيمة من مناقبه وفضائله. وحسبنا في ذلك ما ثبت عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله.
وبهذا جمعت نسخة المصحف بأدق توثق ومحافظة، وأودعت لدى الخليفة لتكون إماماً تواجه الأمة به ما يحدث في المستقبل، ولم يبق الأمر موكلاً إلى النسخ التي بين أيدي كَتّاب الوحي، أو إلى حفظ الحفاظ وحدهم. وبهذا التثبت والتحفظ تم جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق في مصحف واحد مرتب الآيات والسور.

المرحلة الثالثة: الجمع الثالث في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

الدوافع والدواعي إليه: في سنة خمس وعشرين من الهجرة، وبعد أن ولي عثمان بن عفان الخلافة، اتسعت الفتوحات الإسلامية، وتفرّق القرّاء في الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عمن وصل إليهم من القراء قراءته، ووجوه القراء التي يقرأ ون بها مختلفة باختلاف الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم، فكانوا إذا ضمهم مجلس أو موطن من مواطن الغزو عجب البعض من وجوه هذا الاختلاف، وبلغ عثمان أن المعلم بالمدينة يعلم قراءة الرجل، والمعلم الأخر يعلم قراءة رجل آخر، وجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى وصل الخلاف إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضاً، عندها أحس عثمان بالخطر على القرآن، فخطب في الناس، فقال: أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافاً.
وفي هذه الأثناء تجمع جيش من العراق، وفيه حذيفة بن اليمان، وجيش من الشام، وتوجهوا لغزو أرمينية وأذربيجان. وفي مسجد من المساجد جلس الجنود يتدارسون القرآن، فسمع حذيفة ابن اليمان رجلاً يقرأ وآخرون يخطئونه فيما يقرأ، يقول أهل الكوفة: قراءة ابن مسعود، ويقول أهل البصرة: قراءة أبي موسى، ويقول أهل الشام: قراءة أبيّ بن كعب، هذا يقول: قراءتي خير من قراءتك، وذاك يقول: بل قراءتي هي الصواب وقراءتك باطلة، وتنازعوا واختلفوا حتى كادت الفتنة تقع بينهم، فغضب حذيفة، واحمرت عيناه، ثم قام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: هكذا كان من قبلكم اختلفوا، والله لأركبن إلى أمير المؤمنين، وما ان انتهت المعارك بالنصر، وعادت الجيوش، حتى توجه حذيفة إلى المدينة ولم يدخل بيته حتى دخل على عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين. قال:الناس. قال: وما ذاك ؟ قال: غزوت أرمينية فإذا أهل الشام يقرأ ون بقراءة أبيّ بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأ ون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضاً، فتعاظم ذلك في نفس عثمان، واستشار الصحابة، فاستقر رأيهم وأجمعوا على نسخ الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، وجمع الناس عليها بالقراءات الثابتة على حرف واحد، فأرسل عثمان إلى حفصة يطلب منها الصحف، فأرسلت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشيين، فأمرهم بنسخها في المصاحف، وأن يكتب ما اختلفوا فيه مع زيد الأنصاري بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم، والمقصود أن معظم القرآن نزل بلغة قريش.
وهذا يدل على أن ما صنعه عثمان كان بإجماع الصحابة، وهكذا كتبت مصاحف على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ليجتمع الناس على قراءة واحدة، وقام عثمان برد الصحف إلى حفصة، وبعث إلى كل أفق بمصحف من المصاحف، واحتبس بالمدينة واحداً هو مصحفه الذي يسمى ( الإمام )، وتسميته بذلك لما جاء في بعض الروايات من قول عثمان: ( اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماماً )، وأمر أن يحرق ما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف، وقد تلقت الأمة الإسلامية ذلك بالطاعة والاستحسان، وتركت القراءة بالأحرف الستة الأخرى، على اعتبار أن القراءة بالأحرف السبعة ليست واجبة وإنما هي على التخيير والرخصة، كما هو معلوم من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن حُذيفة بن اليمان قدم عَلى عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق.
والسبب الداعي للجمع ولهذا العمل الكبير الذي قام به عثمان وهو اختلاف الناس في وجوه قراءة القرآن حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخُشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخت تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش.
ومما يجب التنبيه إليه أن الأحرف السبعة غير القراءات السبعة التي مازال المسلمون يقرأون بها كما سيأتي بيانه في الجزء الخاص بذلك من هذا المسلسل.
وكان دستور العمل الذي حدده عثمان بن عفان والصحابة في جمع القرآن يعتمد على منهجية رائعة من أبرز مبادئها:

1 – عدم كتابة شيء إلا بعد التحقق من أنه قرآن.
2 – عدم كتابة شيء إلا بعد العلم بأنه استقر في العرضة الأخيرة.
3 – عدم كتابة شيء إلا بعد التأكد من أنه لم ينسخ.
4 – عدم كتابة شيء إلا بعد عرضه على جمع من الصحابة.
5 –معظمه.القرآن بلغة قريش، لأنه نزل بلغتهم.أي معظمه.
6 – عدم كتابة القراءات غير المتواترة.

وبهذا العمل العظيم قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الخلاف، وحصّن القرآن الكريم من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان. تحقيقاً لقوله تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) سورة الحجر: آية 9

عدد المصاحف التي نسختها اللجنة:

سارت اللجنة في عملها بأمانة وإخلاص وهمة عالية، حيث قامت بنسخ خمسة مصاحف أو ستة أو سبعة ثم عرضت هذه المصاحف على مهرة القرآن، ولما اطمأن عثمان إليها قام بتوزيعها على الأمصار، فمن قال: إنها خمسة - وهو المشهور – عدها
( المصحف الكوفي، والمصحف البصري، والمصحف الشامي، والمصحف المدني العام، والمصحف الخاص الذي حبسه عثمان لنفسه، وهو المسمى بالمصحف الإمام ). ومن قال: إنها ستة زاد المصحف المكي، ومن قال: إنها سبعة زاد على الستة مصحف البحرين ومصحف اليمن، وجعل بالمدينة مصحفاً واحداً. وقيل غير ذلك. وهذه المصاحف التي كتبت في عهد عثمان – كما يقول المحققون – لا يكاد يوجد منها مصحف واحد اليوم.

رسم المصحف العثماني والآراء فيه

المراد برسم القرآن هنا كيفية كتابة الحروف والكلمات في المصحف على الطريقة التي كتبت عليها في المصاحف التي أمر عثمان اللجنة الرباعية فكتبتها ووزعتها في الأمصار. ويطلق عليه: رسم المصحف، ومرسوم الخط. وأما الآراء فيه:

الرأي الأول: أن الرسم العثماني ليس توقيفاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه اصطلاح ارتضاه عثمان وتلقته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا يجوز مخالفته.

الرأي الثاني: أن رسم المصحف اصطلاحي لا توفيقي، وعليه فيجوز مخالفته.

الرأي الثالث: أنه توقيفي لا يجوز مخالفته، وهو مذهب الجمهور.

واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كُتاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن كله بهذا الرسم، وقد أقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابتهم وقضى عهده صلى الله عليه وسلم والقرآن على هذه الكتبة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل.

أقوال الفقهاء في الرسم العثماني:

جمهور العلماء ذهبوا إلى منع كتابة المصحف بما استحدث الناس من قواعد الإملاء، للمحافظة على نقل المصحف بالكتابة على الرسم نفسه الذي كتبه الصحابة.
- وقد صرح الإمام أحمد فيه بالتحريم فقال: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك.
- وسئل الإمام مالك: هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى.
- وجاء في الفقه الشافعي: إن رسم المصحف سنة متبعة.
- وجاء في الفقه الحنفي: أنه ينبغي ألا يكتب بغير الرسم العثماني.
-وقال الإمام أبو عمرو الداني : ولا مخالف له من علماء الأمة.

وهكذا اتخذت الأمة الإسلامية الرسم العثماني سنة متبعة إلى عصرنا هذا، كما قال البيهقي في "شعب الإيمان": واتباع حروف المصاحف عندنا كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها.
وكان ذلك للمبالغة في المحافظة والاحتياط على نص القرآن، حتى في مسألة شكلية، هي كيفية رسمه.
لكن استثنوا من ذلك نقط المصاحف وتشكيلها، لتتميز الحروف والحركات، فأجازوا ذلك بعد اختلاف في الصدر الأول عليه، وذلك لما اضطروا إلى ذلك لتلافي الأخطاء التي شاعت بسبب اختلاط العرب بالعجم.

تحسين الرسم العثماني

1-تحسين كتابة المصاحف :
كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل اعتماداً على السليقة العربية التي لا تحتاج إلى مثل هذه النقط والتشكيلات، وظلت هكذا حتى دخلت العجمة بكثرة الاختلاط، وتطرق اللحن إلى اللسان العربي، عندئذ أحسَّ أولو الأمر بضرورة تحسين كتابة المصاحف بالتنقيط والشكل والحركات مما يساعد على القراءة الصحيحة.

2- من شكل المصحف:
أ- اختلف العلماء في ذلك، منهم من قال: أبو الأسود الدؤلي الذي ينسب إليه وضع ضوابط اللغة العربية بأمر من سيدنا علي بن أبي طالب. يروي أنه سمع قارئاً يجر اللام من رسوله في قوله تعالى: { أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } [التوبة: 3]، فغير المعنى، ففزع لهذا اللحن وقال: عز الله وجل أن يبرأ من رسوله، فعندئذ قام بوضع ضوابط التشكيل حفاظاً عليه من اللحن.
ب- ومن العلماء من قال: أول من شكل المصحف : الحسن البصري، ويحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم الليثي بأمر من الحجاج.

3- تدرج تحسين رسم المصحف: كان الشكل في الصدر الأول نقطاً، فالفتحة نقطة على أول الحرف، والضمة نقطة على آخره، والكسرة نقطة تحت أول الحرف، ثم تدرج، فأصبحت الفتحة شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسرة تحته، والضمة واواً صغيرة فوقه، ثم بعد ذلك مر المصحف في طور التجديد والتحسين على مر العصور حتى استقر على هذا الشكل الذي هو عليه الآن من الخطوط الجميلة الواضحة، وابتكار العلامات المميزة، والاصطلاحات المفيدة، فجزى الله من سبقونا في خدمة قرآن ربنا خير جزاء.

ترتيب آيات القرآن وسوره:

1- تعريف الآية: لغة أصلها بمعنى العلامة، ومنه قوله تعالى: { إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ } [البقرة: 248]. وأما اصطلاحاً فهي قرآن مركب من جمل ولو تقديراً، ذو مبدأ و مقطع، مندرج من سورة.

2- تعريف السورة: لغة من سور المدينة، أو من السورة بمعنى المرتبة والمنزلة الرفيعة. وأما اصطلاحاً فالقرآن يشمل على آيٍ ذوات فاتحة وخاتمة . وأقلها ثلاث آيات.

3- حكمة تقسيم القرآن إلى سور وآيات : منها أن القارىء إذا ختم سورة أو جزأً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله. ومنها أن الحافظ إذا حَذَق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة، فيعظم عنده ما حفظه، ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا.

4-مصدر ترتيب القرآن الكريم: أجمع العلماء سلفاً فخلفاً على أن ترتيب الآيات في السورة توقيفي، أي اتبع فيه الصحابة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل، لا يشتبه في ذلك أحد. والأحاديث في إثبات التوقيف في ترتيب الآيات في السور كثيرة جداً تفوق حد التواتر، إلا أننا سنذكر أمثلة منها: أخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } [البقرة:234] قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا أبن أخي لا أغيرّ شيئاً منه من مكانه. وأخرج الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شَخَص ببصره ثم صوَّبه، ثم قال: " أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى...} [النحل: 90] إلى آخرها.

5- ترتيب سور القرآن: جماهير العلماء على أن ترتيب سورة القرآن توقيفي، وليس باجتهاد من الصحابة. والأدلة على أن ترتيب السور كلها توقيفي كثيرة جداً نذكر منها: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: في بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، إنهن من العتآق الأول، وهن من تلادي. فذكر ابن مسعود السور نَسَقاً كما استقر ترتيبها. وقوله صلى الله عليه وسلم: " أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل. وقال أبو جعفر النحاس: وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه مؤلف من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد.
ويشهد لذلك من حيث الدراية والعقل واقع الترتيب وطريقته، وذلك من وجهين لا يشك الناظر فيهما، أن الترتيب بين السور توقيفي:

الأول: مما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاءَ، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاءً، وأخرت طس عن القصص.

الثاني: ما راعاه العلماء الأئمة في بحوثهم من التزام بيان أوجه التناسب بين كل سورة وما قبلها، وبيان وجه ترتيبها.
تابع القراءة ..